المقريزي
373
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
الوجه القبليّ والزراقين والرماة ورجال الحراريق ، فساروا في أوّل شعبان من القاهرة حتى وصلوا إلى أرض النوبة ، فخرجوا إلى لقائهم على النجب بأيديهم الحراب ، وعليهم دكادك سود ، فاقتتل الفريقان قتالا كبيرا ، انهزم فيه النوبة وأغاز الأفرم على قلعة الدار ، وقتل وسبى وأوغل الفارقاني في أرض النوبة برّا وبحرا ، يقتل ويأسر ، فحاز من المواشي ما لا يعدّ ، ونزل بجزيرة ميكائيل برأس الجنادل ، ونفر المراكب من الجنادل ، ففرّ النوبة إلى الجزائر ، وكتب لقمر الدولة نائب داود متملك النوبة أمانا ، فحلف لسكندة على الطاعة ، وأحضر رجال المريس ومن فرّ ، وخاض الأفرم إلى برج في الماء وحصره ، حتى أخذه وقتل به مائتين وأسر أخا لداود ، فهرب داود والعسكر في أثره ، مدّة ثلاثة أيام وهم يقتلون ويأسرون ، حتى أذعن القوم ، وأسرت أم داود وأخته ، ولم يقدر على داود ، فتقرّر سكندة عوضه ، وقرّر على نفسه القطيعة في كل سنة ثلاث فيلة ، وثلاث زرافات ، وخمس فهود من أناثها ، ومائة نجيب أصهب ، وأربعمائة رأس من البقر المنتجة ، على أن تكون بلاد النوبة نصفين ، نصفها للسلطان ، ونصفها لعمارة البلاد ، وحفظها ما خلا بلاد الجنادل ، فإنها كلها للسلطان لقربها من أسوان ، وهي نحو الربع من بلاد النوبة ، وأن يحمل ما بها من التمر والقطن ، والحقوق الجارية بها العادة من قديم الزمان ، وأن يقوموا بالجزية ما بقوا على النصرانية ، فيدفع كل بالغ منهم في السنة دينارا عينا ، وكتب نسخة يمين بذلك ، حلف عليها الملك سكندة . ونسخة يمين أخرى ، حلفت عليها الرعية ، وخرّب الأميران كنائس النوبة ، وأخذ ما فيها ، وقبض على نحو عشرين أميرا من أمراء النوبة ، وأفرج عمن كان بأيدي النوبة من أهل أسوان وعيذاب من المسلمين في أسرهم ، وألبس سكندة تاج الملك ، وأقعد على سرير المملكة ، بعد ما حلف والتزم أن يحمل جميع ما لداود ، ولكل من قتل وأسر من مال ودواب إلى السلطان مع البقط القديم ، وهو أربعمائة رأس من الرقيق ، في كل سنة وزرافة من ذلك ما كان للخليفة ثلاثمائة وستون رأسا ، ولنائبه بمصر أربعون رأسا ، على أن يطلق لهم إذا وصلوا بالبقط تاما من القمح ألف أردب لمتملكهم ، وثلاثمائة أردب لرسله . ذكر صحراء عيذاب « 1 » اعلم أنّ حجاج مصر والمغرب ، أقاموا زيادة على مائتي سنة لا يتوجهون إلى مكة شرّفها اللّه تعالى ، إلا من صحراء عيذاب يركبون النيل من ساحل مدينة مصر الفسطاط إلى قوص « 2 » ، ثم يركبون الإبل من قوص ، ويعبرون هذه الصحراء إلى عيذاب ، ثم يركبون البحر
--> ( 1 ) عيذاب : بليدة على ضفة بحر القلزم وهي مرسي المراكب التي تقوم من عدن إلى الصعيد . معجم البلدان ج 4 / 171 . ( 2 ) قوص : مدينة كبيرة عظيمة واسعة قصبة صعيد مصر بينها وبين الفسطاط اثنا عشر يوما . البلدان ج 4 / 413 .